محمد متولي الشعراوي
4368
تفسير الشعراوى
فبعضهم تاب إلى بارئة وقتل نفسه فلماذا إذن الغضب ؟ ويوضح الحق لنا أن الذي نالهم من الغضب هو ما ألجأهم إلى أن يقال لهم : « اقتلوا أَنْفُسَكُمْ » ، وهكذا نفهم أن قوله تعالى : « سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ » أي قبل أن يتوبوا ، وقتل النفس هو منتهى الذلة ومنتهى الإهانة . سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ( من الآية 152 سورة الأعراف ) أي أن هذا الأمر ليس بخاصية لهم ، فكل مفتر يتجاوز حده فوق ما شرعه اللّه لا بد أن يناله هذا الجزاء ؛ لأن ربنا حين يقول لنا ما حدث في تاريخهم ؛ وحين يسرد لنا هذه القصة فإنه يريد من وراء ذلك - سبحانه - أن يعتبر السامع للقصة في نفسه . واعتبار السامع للقصة في نفسه لا يتأتى إلا بأن يقول له اللّه تنبيها وتحذيرا : وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ أي احذر أن تكون مثل هؤلاء فينالك ما نالهم ، وهو سبحانه ينبه كلا منا لينتفع من هذه العبرة وهذه اللقطة فإنّ التاريخ مسرود لأخذ العبرة ، والعظة ليتعظ بها السامع . ويقول الحق بعد ذلك : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 153 ] وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 153 ) وهذا ما حدث ، فبعد أن اتخذوا العجل ، وقال لهم : اقتلوا أنفسكم توبة إلى بارئكم ، ثم تابوا ورجعوا إلى اللّه وآمنوا بما جاءهم ، غفر اللّه لهم . وإذا كان الحق قد قص علينا مظهرية جباريته فإنه أيضا لم يشأ أن يدعنا في مظهرية الجبارية ، وأراد أن يدخلنا في حنان الرحمانية . لذلك يقول هنا : وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها